اعلان هام

اهلا وسهلا بزوار نا الاعزاء
اذا كانت هذه هي زيارتك الاولى للمنتدى ندعوك للتسجيل معنا .........
نتمنى لك تصفح ممتع ومفيد بين فروع المنتدى
وشكرا لك



 
الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلرفع الملفاتدخول

شاطر | 
 

 فــي الـشــعـر : ‎الأسطورة .. نزار قباني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
hamid
عضو فعال
عضو فعال


ذكر عدد المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 02/11/2011

مُساهمةموضوع: فــي الـشــعـر : ‎الأسطورة .. نزار قباني   الإثنين ديسمبر 10, 2012 2:38 am



حـكـايـة الـشـعـر .. كـحـكـايـة الـوردة الـتي تـرتـجـف عـلـى الـرابـيــة .. مـخــدةً مـن الـعـبـيــر .. وقـمـيـصـاً مـن الـدم

إنـكـَ تـحـبـهـا هـذه الـكـتـلـةَ الـمـلـتـهـبـةَ مـن الـحـريـر الـتـي تـغـمـز إصـبـعـكـ .. وأنـفـــكـَ .. وخـيـالــــكـَ .. وقـلـبـــكـَ

دون أن يـدور فـي خـلـدكـ أن تـمـزقـهــا .. وتـقـطـعَ قـمـيـصـهـا الأحـمـر .. لـتـقـفَ عـلـى سـر هـذا الـجـهـاز الـجـمـيـل

الـذي يُـحــدثُ لـكـ هذه الـهـزةَ الـعـجـيـبـة .. وهـــذه الـحـالــــةَ الـسـمـحـة .. الـقــريــــرةَ .. الـتـــي تـغــرقُ فـيـهــــا



وحـيـن تـفـكـرُ فـي هـذا الإثـم يــومــاً .. فـتـشــقَّ هـذه الـلـفـائــف .. الـمـعـطـورة .. وتـذبــحَ هـذه الأوراق الـصـبـيـة

لـتـمــدَّ أنـفـكـَ فـي هـذا الـوعـاء الأنـيـق .. الـذي يـفـرز لـكـ الـعـطـر .. ويـعـصـرُ لـكـ قـلـبـه لـونـاً .. حـيــن تـدورُ فــــي

رأسـكـ هـذه الـفـكــرة الـمـجـرمــة .. لا يـبـقـى عـلـى راحـتـكـ غـيـرُ جـثـة الـجـمـال .. وجـنـازةِ الـعـطـــر .



وفـي الـفـن ، كـمـا فــي الـطـبـيـعـة ، وفـي الـقـصـيـدة كـمـا فـي الـوردة وكـمـا فـي الـلـوحـة الـبـارعـــة ، يـجــب أن

لا نـعـمـدَ إلـى تـقـطـيـع الـقـصـيـدة ، هـذا الـشـريـــوط الـبـاهــر الـنــــديّ مـــن الـمـعـانـي ، والأصـبــــاغ ، والـصـــور

والـدنـدنــة الـمـنـغـومـــة .



حــرامٌ أن نـمـزق الـقـصـيـدة لـنـحـصـي ( كـمـيـة ) الـمـعـانـي الـتي تـنـضـمُّ عـلـيـهـا ، ونـحـصـر عـــددَ تـفـاعـيـلـهـــا

وخـفــيَّ زٌحـافـاتـهـا ، ونـقـفَ عـلـى ( لـون ) بـحـرهـا ..



فـالإحـصـاء ، والـسحـابُ ، والـتـحـلـيـلُ ، والـفكـرُ ، الـمـنـطـقـيُّ يـجـب أن تـتـوارى كـلـهـا سـاعـة الـتـلـقـيـن الـمـبـدع

لأن كـل هـذه الـمَـلـَكـات الـعـقـلانـيـة الـحـاسـبـة ، فـاشـلـةٌ فـي مـيــدان الـــروح .



فـالـقـمــر .. هـذا الـيـنـبـوع الـمـفـضـض الـذي بـذر عـلـى الـكـون جـدائـل الـيـاسـمـيـن .. يٌـحــدثُ لـكـَ ولـي ولـكــل

إنـسـان حـالــةً حـبـيـبـةً مـلائـمـة ، إنـكـ تـفـتـح قـلـبـكـ لــه ، وتـغـمــسُ أهـدابـكـَ فـــي ســائـلـه الـزنـبـقـي دون أن

تـعــرف عـن هـذا ( الـجـمـيـل ) أكـثــر مـن أنـه قَـمـَـر .



ولــو اتـفــق أن أوضــحَ لـكـَ فـلـكـيَّ ســرَّ الـقـمـر ، وأجــواءه ، وجـبـالـه الـجــرداء ، وقـمـمـه الـمـرعـبـة ، وأدار لــكـ

الـحـديـث عـن مـعـادنـه ، ودرجـة حـرارتــه ورطـوبـتــه ، إذنْ لأشـفـقـتَ عـلـى قـلـبـكـ ، وأسـدلـتَ سـتـارتـكـَ .



إذن ، فـلـنـقـرأ كـمـا نـنـظـر إلـى الـقـمـر .. بـطـفـولـة ، وعـفـويـة ، واسـتـغـراق .

فـالـتـذوق الـفـنـي كـمـا قـال الـفـيـلـسوف الإيـطـالـي كـروتـشـه فـي كـتـابـه ( الـمـجـمـل فـي فـلـسـفـة الـفـن )

هـو عـبـارة عـن ( حـدس غـنـائي ) . والـحـدس Iutuition هـو الـصـورة الأولـى لـلـمـعـرفـة ، وسـابـق لـكل مـعـرفـة

وهـو مـن شـأن الـمـخـيـلـة ، وهـو بـتـعـبـيـر آخـر الإدراكـ الـخـالـي مـن أي عـنـصـر مـنـطـقـي .



إذنْ فـكـل أثـرٍ فـنـي يـجـب أن يُـسـْـتـقـبـل عـن طـريـق ( الإدراكـ الـحـدسـي ) لا ( الـمـنـطقـي ) أو ( الـذهـنـي )

لأن هـذا الـنـوع الأخـيـر مـن الإدراكـ مـيـدانـه الـعـلـم والـظـواهـر الـمـاديــة .



يـقــول كـروتـشــــه :

" .. عـلــى الـنـاقــد أن يـقــفَ أمــام مـبــدعـات الـفــنّ مـوقــفَ الـمـتـعـبــد لا مـوقـــف الـقـاضـي ، ولا مــوقــفَ

الـنـاصــح ، ومـا الـنـاقــد إلا فـنــانٌ آخـر يُـحــسُّ مـا أحـســـه الـفـنـــان الأول فـيـعـيـش حـدســـهُ مــرةً ثـانـيــــةً

ولا يـخـتـلـف عـنـه إلا فـي أنــه يـعـيـش بـصــورةٍ واعـيــةٍ .. "



ومـتـى تـم انـتـقـال هـذه الـســيًّـالـة الـدافـئــة مـن الأصـبـــاغِ ، والـنـغــم ، والـغـريــزةِ ، والإنـفـعـال .. إلـيـــكـِ

تـنـتـهــي مـهـمـة الـشـعـر ، فـهــول لـيـس أكـثـر مـن ( كـهـربـةٍ جـمـيـلـة ) تـصـدم عـصـبـكـ ، وتـنـقـلـكـ إلـــى

واحــاتٍ مـضـيـئـة مـزروعــة عـلـى أجـفــان الـســحـاب .



# # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # #



مـهـمـة الـقـصـيــدة كـمـهـمـة الـفـراشــة .. هــذه تـضــع عـلـــى فـــم الـزهـــرة دفـعــةً واحــدة جـمـيـعَ

مـا جـنـتــهُ مـن عـطــرٍ ورحـيــق ، مـنـتـقـلــةً بـيـن الـجـبـل والـحـقـل والـســيـاج .



وتـلـكـ " أي الـقـصـيـدة " تـفــرغُ فــي قـلـــب الــقــارىء شــحـنـةً مــن الـطـاقــة الـروحـيــة تـحـتـوي عـلــى

جـمـيـع أجـــزاء الـنـفـس ، وتـنـتـظــمُ الـحـيــاةُ كـلـهــا .



يـجـب أن لا نـطـلــب مـن الـشــعـر أكـثـــرَ مـن هــذا ، ويـتـجـنـى عـلـى الـشـعـر الـذيــن يـريــدون مـنــه أن

يـغــلَّ غـلــة ، ويُـنـتـج ريـعــاً ، فـهــو زيـنــةٌ وتـحـفــة بـاذخــة فـحـســـب .



كـآنـيــة الــورد الـتـي تـســتـريـح عـلـى مـنـضـدتـي ، لـســتُ أرجــو مـنـهـا أكـثــرَ مـن صـحـبـــة الأنـاقـــــة

وصــداقـــة الـعـطـــــر .



لـذلـكـ نـشـــأتُ عـلــى كــرهٍ عـنـيــد لـلـشــعـر الـذي يُــرادُ مـن نـظـمــه إقـامــةُ مـلـجــأ .. أو بـنـاءُ تـكـيَّــة

أو حـصــرُ قـواعــد الـلـغـة الـعـربـيــة ، أو تـأريـــخُ مـيــــلاد صـبــــي ، أو تـعــدادُ مــآثـــر الـمـيــــت عـلـــى

رخــامــــة قـبــــره .



قــرأتُ فـي طـفــولـتي تـعـاريــفَ كـثـيـــرة لـلـشــعـر ، وأهــــزلُ هــــذه الـتـعــاريــــف .. " الـشـعـر هــــو

الـكــلامُ الـمــوزونُ الـمُـقَـفَّـى " .



ألـيـس مـن الـمـخـجـل أن يـلـقـن الـمـعـلـمـون الـعــرب تـلامـيـذهــم فـي هـذا الـعـصــر ، عـصــر فـلــــقِ

الـذرة ، ومــرادةِ الـقـمـر ، مـثــل هــذه الأكـذوبــة الـبـلـهــاء ؟



مــاذا تـقـــول لـلـشــاعـر ، هــذا الـرجــل الـذي يـحـمـل بـيـــن رئـتـيـــه قـلــبَ الله ، ويـضـطـربُ عـلـــــى

أصـابـعـه الـجـحـيـم ، وكـيــف نـعـتـذر لـهــذا الإنـســان الإلـه الـذي تـداعــب أشــواقـه الـنـجـوم ، وتـفـزع

تـنـهــداتـه الـلـيـل ، ويـتـكـىء عـلـى مـخــدتـه الـصـبـاح ، كـيـف نـعـتـذر لـه بـعــد أن نـقــول لـــــه عــــن

قـصـيـدتـه الـتـي حـبـكـهـا مـن وهــج شــرايـيـنـه ، ونـسـجـهـا مـن ريـش أهـدابـه " إنـهــا كــلام " !



وكـلـمـةُ ( كــلام ) هــذه .. تـقـفُ فـي قـلـبـي يـابـســةً كـالـشــوكـة ، لأن مـا يــدور بـيـن الـبـاعـة عـلـى

رصـيــف الـشــارع هـو كــلام .. والـضـجــة الـتـــي تـرتـفــع فـي ســـوق الـبـورصـــة هـي مـجـمـوعــــةٌ

مـن الـكــلام الـمــوزون .. أيـضـــاً .



فـهـل الـشــعـرُ عـنــد ســادتـنــا الـعـرضـيــون هــو هـذا الـنــوع مـن الـكــلام ، دون أن يـكــــون ثـمــــةَ

فــرقٌ بـيــن كــلامٍ ( مـمـتــاز ) وكــلامٍ ( رخـيـــص ) ؟



ويـقـالُ فـي تـعــريــف ثــان لـلـشـعـر إنــه تـصــويــر لـلـطـبـيـعــة ، وأنـا أقــولُ إن الـفــــن هــــو صـنــع

الـطـبـيـعـة وحـدهــا ، فـقـيـرةٌ ، عـاجــزة ، مـقـيــدة بـأبـديــة الـقـوانـيــن الـمـفـروضـة عـلـيـهــا هـــذه

الـزهــرة تـنـبـت فـي شــهـر كــذا .. وهـذا الـنـبـع يـتـفـجـر إذا انـعـقــــدت الـسـحـبُ مـطـراً ، وهـــــذا

الـنــوع مـن الـعـصـافـيـر يـرحــل عـن الـبـيـادر فــي أوائــل الـشـــتـاء .



أمـا فـي الـفـنّ فـإنـكـ تـشــمُّ رائـحــةَ الأعـشــاب لـمـجــرد تـصـفـحــكـ ديـــــوانَ ابـــن زيــــدون ، وإنـكـ

لـتـستـطـيـع أن تـستـمـع إلـى وشوشـة الـيـنـابـيـع وأنـتَ أمـام الـمـوقــد ، تـقــرأ مـا كـتـب الـبـحـتـري

وابـن الـمـعـتـز .



أسـتـطـيـع فـي أي مـوســم أن أغـلــق نـافـذتـي ، وأمـد يـدي إلـى مـكـتـبـي لأنـعـم بـالـورد والـمــاء

وبـالـعـطـر وبـزقـزقــة الـعـصـافـيــر الـمـغـنـيــة ، وهـي تـتـفـجــر مـن دواويــن الـمـتـنـبـي ، وبـولـديـر

وبــول فـيــرلـيـن ، وأبـي نــواس ، وبـشــار ، فـتُـحـيــلُ مـخــدعـي إلــى مـزرعــــةٍ يـصـلــي عـلـــــى

تـرابـهــا الـضــوء والـعـبـيـــر .



الــوردة الـحـمــراء عـلـى الـرابـيــة تـمــوت ، ولـكـن الـوردة الـمـزروعــة فـي قـصـيـدة فــلانٍ لا تــــزال

تــوزع عـطــرهـا عـلـى الـنـاس وتـقـطّــر دمـعـهــا عـلـى أصـابـعـهــم .



إذنْ فـمـا هـو الـشــعـر ؟

كــلّ مـا قـيــل فــي هـــذا الـمـوضـــــوع لا يـتـعــدى دراســــة مـظــاهــــر الـتـجــربــة الـخـارجـيــــة

لا الـتـجـربــة ذاتـهــا ، كـمـا يــدرس الـعـالــم الـنـفـســي نـتـائــج الـغـضــب والإنـفـعـــال والـســـرور

عـلــى جـســد الإنـســان ، وكـمــا يـدرس عـلـمـاء الـفـيـزيــاء آثــار الـتـيــار الـكـهـربـائـي مـن ضــــوء

وحـــرارة وحــركـــة .



وجـمـيـع مـا قـرأتــه مــن نـظـريــات الـمـعـنـــى ، والـفـكــــرة ، والـصــــورة ، والـلـفــــظ ، والـخـيــال

ونـســبـة كـــل مـنـهـــا فـــي الـبـيـــت ، إنـمـــا تــدرس آثــار الـتـجــربــة الـشــعـريـة فـي الـعـالــم

الـخـارجــي ، أي بـعــد انـتـقـالـهــا مـن جـبـيــن الـشـــاعــر إلـــى الــورق .



لا أجـــرؤ عـلــى تـحــديــد جـوهــر الـشــعـر .. لأنــه يـهــزأ بـالـحــدود ، ثـم مــاذا يـضـيــرُ الـشـعـر

إذا لــم نـجــد لــه تـعــريـفـــاً ؟



ألـسـنـا نـتـقـبــل أكـثــرَ الأشــيـاء الـتـي تـحـيــط بـنــا دون مـنـاقـشــة ؟ فـالـروائـــح ، والألـــــوان

والأصـــوات الـتـي يـســبـحُ كـيـانـنـا فـيـهــا .. تـبـعــثُ الـلــذةَ فـيـنــا دون أن نـعــرف شـيـئـاً عــن

مـادتـهــا وتـركـيـبـهـا ، وهـل تـخـســرُ الــوردةُ شــيـئـاً مـن قـتـنـتـهـا إذا جـهـلـنـا تـاريـخَ حـيـاتـهـا؟



لـنـتـواضــع إذن عـلـى الـقــو ل : إن الـشـعـر كـهــربـــةٌ جـمـيـلـــة ، لا تـعـمـــــــر طــويــــــلاً

تـكـــون الـنـفـــسُ خــلالـهــا بـجـمـيـــــع عـنـاصـرهــــا مـــن عــــاطـفـــــة ، وخـيـــــــــالٍ

وذاكـــــرة ، وغـريــزةٍ ، مـســـربـلــةٌ بـالـمـوســيـقـا .



ومـتى اكـتـســت الـهـنـيـهـة الـشـعـريـة ريـش الـنـغـم ، كـان الـشـعـر ، فـهـو بـتـعـبـيـر مـــوجـــز

( الـنـفــس الـمـلـحـنــة ) .



لا تـــرف هـذه الـهـنـيـهـة الـشـاعـرة مـوسـمـاً ولا مـوعـداً مـضـروبـاً ، فـكـأنـهـا فـوق الـمـواســم

والـمـواعـيــد ، وأنـا لا أعـرف مـهـنـةً يـجـهـل صـاحـبـهــا مـاهـيـتـهـا أكـثــرَ مـن هـــذه الـمـهـنـــة

الـتــي تـغــزل الـنــار .



والــذي أقـــرره ، أن الـشــعـرَ يـصـنــع نـفـســهُ بـنـفـسـهِ ، ويـنـسـج ثـوبـه بـيـديــه وراء سـتـائر

الـنـفــس ، حـتـى إذا نـمـتْ لـه أســبـاب الـوجـود ، واكـتـســى رداء الـنـغـم ، ارتـجـــف أحـرفــــا

تـلـهـثُ عـلــى الـــورق .



ولـقــد اقـتـنـعــتُ أن جـهــدي لا يـقــدَّم ولا يـؤخــر فـي مـيـعــاد ولادة الـقـصـيـدة ، فـأنـا عـلـى

الـعـكـس أعـيــقُ الـولادة إذا حـاولـتُ أن أفـعــل شــيـئـاً .



كـم مــرةٍ .. مــرةٍ .. إتـخــذتُ لـنـفـســي وضــعَ مــن يـريـــد أن يـنـظـم ، وألـقـيــتُ بـنـفـسـي

فــي أحـضــان مـقـعــدٍ وثـيــر ، وأمـســكـت بـالـقـلـم ، وأحـرقـت أكـثــرَ مـن لـفـافـة .. فـلـــم

يـفـتــح الله عـلــيَّ بـحــرفٍ واحــدٍ ، حـتــى إذا كـنـتُ أعـبــرُ الـطــريـق بـيــن ألــوف الـعـابـريـن

أو كـنـتُ فـي حـلـقــة صـاخـبــةٍ مـن الأصـدقــاء ، دغـدغـنـي ألــفُ خـاطــر أشـــقـر .

وحمـلـتـنــي ألـــفُ أرجـوحـــةٍ إلــى حـيـــثُ تـفـنــى الـمـســـافـات .



# # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # #



والـشــعـرُ يـحـيـطُ بـالـوجــود كـلــه ، ويـنـطـلــقُ فـي كـل الإتـجـاهــات ، فـتـرسـم ريـشــتـه

الـمـلـيــحَ والـقـبـيــحَ ، وتـتـنــاولُ الـمـتــرفَ والـمـبـتـذلَ ، والـرفـيــع والـوضـيـع ، ويـخـطــىء

الـذيــن يـظـنــون أنــه خـط صــاعـد دائـمــاً ، لأن الـدعــوة إلـى الـفـضـيـلــة لـيـسـت مـهـمـة

الـفـنّ بـل مـهـمـة الأديـان وعـلـم الأخــلاق ، وأنـا أؤمــن بـجـمـــالِ الـقـبــح ، ولــــذة الألـــم

وطـهــارة الإثــم ، فـهــي كـلـهــا أشـــيـاء صـحـيـحـة فـي نـظــر الـفـنــان .



تـصـويــر مـخــدع مـوســى ، واردٌ فـــي مـنـطـق الـفــنّ ومـعـقــول ، وهـــو مــــن أسـخـى

مـواضـيــع الـفــنّ وأغــزرهـا ألـوانـاً ، أمـا الـمـومــسُ مـن حـيــث كـونـهــا إنـاءً مـــن الإثــــم

خـطــأ مــن أخـطـاء الـمـجـتـمـع ، فـهـذا مـوضـوع آخـر تـعـالـجــه الـمـذاهـبُ الإجـتـمـاعـيـة

وعـلــمُ الأخـــلاق .



يـقـــولُ مـروتـشــه فـي نـقــد الـمـذهــب الأخـلاقــي فـي الـفـنّ : " إن الـعـمـلَ الـفـنـي

لا يـمـكـن فـعــلاً نـفـعـيــاً يـتـجــه إلـى بـلــوغ لـذة أو اســتـبـعـاد ألـــم ، لأن الـفــن مــن

حـيــثُ هــو فــنّ لا شــأن لـه بـالـمـنـفـعــة ، وقــد لـوحــظَ مـن قـديــم الأزمـان أن الـفــنّ

لـيــس نـاشـئـاً عــن الإرادة ، ولـئــن كـانــت الإرادة قــوامَ الإنـســان الـخـيــر ، فـلـيـسـت

قـوامَ الإنـســان الـفـنـان فـقــد تـعـبــرُ الـصـورة عـن فـعـلٍ يـحُـمـد أو يـذم مـن الـنـاحـيــة

الـخُـلـقـيـة ، ولـكــن الـصــورة مـن حـيــثُ هـي صــورة لا يـمـكـن أن تـحـمـد أو تـذم مـــن

الـنـاحـيــة الأخـلاقـيــة ؟ لأنـه لـيـس ثـمـة حـكــم أخـلاقـي يـمـكـن أن يـصـدر عـن عـاقـلٍ

ويـكــون مـوضــوعــه صـــورة .



" إن الـفـنـان فـنـان لا أكـثـــر ، أي إنـســان يُـحــبُّ ويـعـبــر ، لـيـس الـفـنـان مـن حـيــــثُ

هـو فـنـان عـالـمـاً ، ولا فـيـلـسـوفـاً ولا أخـلاقـيـاً ، وقـد تـنـصـبُّ عـلـيـه صـفـةُ الـتـخـلـق

مـن حـيــث هـو إنـســان ، أمـا مـن حـيـثُ هـو فـنـان خـلاق ، فـلا نـسـتـطـيـع أن نـطـلـب

إلـيــه إلا شــيـئـاً واحــداً ، هــو الـتـكـافـؤ الـتـام بـيــن مـا يُـنـتـج ومـا يـشــعـر بــه .. "



لـو صـح لـنـا أن نـقـبـل مـا زعـمـتــه الـمـدرســـة الأخـلاقـيـةُ فــي الـفـنّ لـمـات الـفـنّ

مـخـتـنـقـاً بـأبـخـرة الـمـعـابـد ، ولـوجـب أن نـحـطـم كـل الـتـمـاثـيـل الـعـاريــة الـتــــي

نـحـتـهــا مـيـشـيـل أنـجـلــو ، والـصــور الـبـارعــة الـتـي رسـمـهـا رفـائـيــل .. لأنـهـــا

إثـم يـجـب أن لا تـقـعَ فـيــه الـعـيــن .



لـو ذهـبـنــا مـع أشــيـاع هـذه الـمـدرسـة إلـى حـيـث يـريـدون ، لـوجـب أن نُـخــــرج

مـن حـظـيــرة الـجـيـد قـصـيـدةَ الـنـابـغــة الـتـي قـالـهـا فـي زوجــة الـنـعـمـان وقـد

انـزلـق مـئـزرهـا عـن نـهـديـهـا .. شـابـيـن .. مـرتـعـشـيـن :

ســقـط الـنـصـيــفُ ولـم تــردْ إســقـاطــهُ, فــتــنــاولــتــــهُ واتـفـقـنـــــا بـالــيـــــــــدِ

ولـكـان عـلـيـنـا أن نـلـعــنَ الـنـابـغــة ، ونـعـتـبــره ضـالاً لا يـســتـحـق أن نـقـــــرأ

ســـيـرتــه وأشــعـاره .



# # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # #



وبـعــدُ .. وبـعــدُ .. فـفــي يـد الـقــارىء حــروفٌ دافـئــة تـتـحــركـ عـلـى بـيـــاض

الـورق ، وتـتـســلـق أصــابـعــهُ لـتـعـانـق قـلـبـــه .



هـذه الأحــرف لـم أكـتـبـهــا لـفـئــةٍ خـاصــةٍ مـن الـنـاس روَّضــوا خـيـالـهـم عـلـى

تــذوق الـشـعـر ، وهـيـأتـهــم ثـقـافـاتـهــم لـهــــذا .



لا .. إنـنــي أكـتـبُ لأي ( إنـســان ) مـثـلـي يـشــتـركـ مـعـي فـي الإنـســـانـيــة

وتـوجــد بـيـن خـلايـا عـقـلــه ، خـلـيـةٌ تـهـتـزُّ لـلـعـاطـفـة الـصـافـيــة ، ولـلـواحـات

الـمـزروعــة وراء مـدى الـظــن .



أريــد أن يـكون الـفـنّ مـلـكـاً لـكـل الـنــاس كـالـهـــــواء ، وكـالـمــــاء ، وكـغـنــــاء

الـعـصـافـيــر ، يـجـب أن لا يُـحــرمَ مـنـهــا أحـــد .



إذنْ ، يـجــبُ أن نـعـمـمَ الـفــنّ ، وأن نـجـعـلــه بـعـيــدَ الـشـمـول ، ومـتـى كـان

لـنـا ذلـكـ اســتـطـعـنـا أن نـجـلـب الـجـمـاهـيــر الـمـتـهـالـكـة عـلـى الـــشــوكـ

والـطـيــن ، والـمـادة الـفـارغــة ، إلـى عـالــمٍ أســوارهُ الـنـجــــوم ، وأرضــــــــه

مـفـروشــةٌ بـالـبـريـــق .



مـتـى جـذبـنــا الـجـمـاهـيــر إلـى قـمـتـنــا ، نـبـــــــذوا أنـانـيـتـهـم ، وتـخـلــــوا

عـن شــهـوة الـدم ، وخـلـعـــوا أثـــواب ردائـهــم ، وهـكــذا يـغـمــر الـســــــلام

الأرض ، ويـنـبـت الـريـحــانُ فـي مـكــان الـشـــوكـ .



إنـنــي أحـلــمُ ( بـالـمـديـنـة الـشــاعــرة ) لـتـكــون إلــى جـانـــب مـديـنـــــة

الـفـارابــي ( الـفـاضـلـة ) ، وحـيـنـئــذ فـقــط ، يـكـتـشــف الإنـســانُ نـفـســــه

ويـعـــرفُ الله .



وفـي ســبـيـل هـذه الـفـلـسـفـة ، فـلـسـفـة الـغـنـاء الـعـفـويّ ، حـاولــــــــت

فـيـمـا كـتـبـُ أن أردَّ قـلـبـــي إلا طـفـولـتــه ، وأتـخـيــر ألـفـاظــــــاً مـبـســـــطـة

مـهـمـوســة الـرنـيـن ، وأخـتـار مـن أوزان الـشـعـر ألـطـفـهـا عـلـى الأذن .



فـإذا أحـسّ الـقـارىء بـأن قـلـبـي صـار مـكـان قـلـبـه ، وانـتـفـض بـيـن أضـلاعـه

هــو ، وأنـه يـعـرفـنـي قـبـل أن يـعـرفـنـي ، وأنـنــي صــرتُ فـمـاً لـه وحـنـجـرة

فـلـقـد أدركـتُ غـايـتـي ، وحـقـقــتُ حـلـمـي الأبـيــض ، وهــــــو أن أجـعـــــلَ

الـشـعـر يـقــومُ فـي كــلّ مـنـزل إلـى جـانـب الـخـبـز والـمـاء ..



نـــزار قـبـــانــي

1947







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
فــي الـشــعـر : ‎الأسطورة .. نزار قباني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: الشعر-
انتقل الى: